٣٠‏/٠١‏/٢٠٠٤، ٦:٠٧ م

نداء قائد الثورة الاسلامية المعظم بمناسبة موسم الحج لعام 1424هــ

روح الصحوة الاسلامية قد هبت في جميع ارجاء العالم الاسلامي

اكد قائد الثورة الاسلامية المعظم سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي في ندائه بمناسبة موسم الحج الحالي ان روح الصحوة الاسلامية قد هبت في جميع ارجاء العالم الاسلامي.

وفيما يلي نص نداء قائد الثورة الاسلامية المعظم سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي بمناسبة موسم الحج لعام 1424هـ : 
                                    بسم الله الرحمن الرحيم
لقد احتفلت اليوم امتنا الإسلامية – مرة اخرى – بميعادها السنوي العظيم، مستجيبة بجدارةٍ لدعوة : "وأذن في الناس بالحج".
فإن هذه الفريضة الثمينة – كغيرها من الفرائض الالهية – تمثل خزانة من خزائن الرحمة تفتح بابها امام العباد عند مواعيدها المقررة، لتتيح لهم فرصة للاستفادة من الفيض الإلهي اللانهائي.
إن الحج فرصة فريدة استثنائية. لأنها من جهة تصقل القلوب والنفوس فيتمتع الحجيج – كل على قدر همته وطاقته – ببركات هذه الرحمة الشاملة ؛ ومن جهة أخرى تتمكن فيها شخصية الأمة الاسلامية العامة – والتي تتألف من مختلف الشعوب والأعراق والأقطار والثقافات – أن تحقق مزيداً من التلاحم والانسجام، والشجاعة والصحوة والوعي بالذات.
وهذا، يمثل الحاجة الضرورية الكبرى للعالم الاسلامي في عصرنا الحالي.
لقد أصبح العالم الاسلامي اليوم يعمل على استعادة هويته ويقف مع مرور الايام بوجه اللصوص والناهبين. وذلك بعد أن مرّ بفترة طويلة من التراخي والسبات، ألحقت به الخسائر، وآلت أخيرا إلى تكريس الهيمنة السياسية – الثقافية للأجانب، وعادت ثرواته المادية والبشرية مسخرة لصالح أعدائه تخدمهم في تقدمهم وقوتهم وسيطرتهم.
إن روح الصحوة الإسلامية قد هب في جميع أرجاء العالم الإسلامي، وعاد النزول إلى ساحة العمل، مطلبا جدّيا. إن نظرية "الإسلام السياسي" قد وجدت لها مكانة رفيعة في ذهن النخبة الممتازة، قد فتحت أمامهم أفقا مشرقا ومبشرا بالأمل. ومع أفول الأفكار المستوردة الصاخبة من قبيل الاشتراكية والماركسية، وخاصة بعد سقوط اقنعة الخداع والدجل عن وجه الديمقراطية الليبرالية الغربية، برز وجه الاسلام الداعي إلى العدالة والحرية بشكل أجلى وأوضح، ليتبوأ موقع الصدارة – دون منافس –  على افق الأماني والتطلعات لدى كل من ينشد العدالة والحرية من النخب والمفكرين.
هناك جمع غفير من الشباب الغيارى في الدول الإسلامية، اتجهوا باسم الاسلام إلى الجهاد السياسي والثقافي والاجتماعي أملاً في قيام حكومة عدل إسلامية. وهم يعملون على تنمية ونشر عزيمة الوقوف بوجه ما يجري في مجتمعاتهم من فرض سيطرة  المستكبرين الاجانب. 
على بعض ربوع عالمنا الإسلامي – والتي تمثل فلسطين المظلومة نموذجها الأعلى – هناك عدد كبير من الرجال والنساء، ما فتئوا يسطرّون ملاحم مستمرة يومياً عبر التضحية بأرواحهم تحت راية الإسلام وشعار الاستقلال والعزة والحرية، الامر الذي ترك القوى المادية المستكبرة عاجزة ذليلة امام شجاعتهم.
نعم, ان الصحوة الإسلامية قد عطلت الموازين وخلطت الحسابات الاستكبارية وغيرت المعادلات الدولية التي أرادها المستكبرون.
ومن ناحية اخرى، فإن ظهور وتنامي الأفكار الإسلامية الحديثة في إطار الأسس والمبادئ الاسلامية، وتحقق الإبداع في ساحتي السياسة والعلم؛ قد اثبت عملياً حيوية المدرسة الإسلامية وحركيتها، وفتح آفاقاً رحبة امام المفكرين واصحاب البصيرة في العالم الإسلامي. ووجد مستعمرو الأمس ومستكبرو اليوم انفسهم حيارى امام هذه الحركية الشجاعة للفكر الاسلامي، بعد أن حاولوا من خلال سياساتهم الماكرة أن يجعلوا المجتمعات الاسلامية في موقفٍ من الحيرة والتردد أمام التناقض المستمر بين الجمود والتزمُت من جهة والانبهار والانتقائية من جهة أخرى.
ان التفكير والحركة والإيمان والعمل الصالح، قد اصبح في عالمنا الإسلامي يطوي سبل النمو والاخضرار والإثمار. وقد تركت هذه الظاهرة المباركة مراكز القوى الاستكبارية في ذعر وهلع.
ان على الأمة الاسلامية اليوم أن تستعد لمواجهة مجموعة من ردود الفعل الغاضبة الشريرة التي تقوم بها مراكز القوى الاستكبارية أمام هذه الظاهرة العظيمة.
ولاشك أن الصراع بين الحق والباطل، سينتهي لصالح الحق، كما أن مصير الباطل ليس الا الهزيمة والزوال. شريطة أن تستخدم جبهة الحق طاقاتها المادية والمعنوية المتاحة بشكل صحيح، وأن تبحث عن الطريق القويم سائرة فيه بكل تعقل وجهد وصمود وأمل؛ متكلة على الله سبحانه واثقة بنفسها. وفي هذه الحالة فإن الإمداد الالهي والنصر الالهي سيكونان حقها المسلم الذي وعد به النص القرآني، حيث قال تعالى:
(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم).
و(ولينصرن الله من ينصره)
و(إن الأرض يرثها عبادي الصالحون) .
ان الشبكة الصهيونية السرطانية، ومؤججي الحروب الشريرين من رجال الإدارة الأميركية – الذين يشكلون اليوم أخطر وأهم المراكز الرئيسية للاستكبار – قد دأبوا على محاربة الأمة الإسلامية من طرق شتى، ابتداءً من الحرب النفسية والإعلامية، ومروراً بالمواجهة الاقتصادية والإجراءات السياسية العدائية العنودة، وانتهاءً بممارسة العنف وعمليات الاغتيال والمواجهة العسكرية. إن هؤلاء لا يتورعون عن ارتكاب اي جريمة في سبيل الحفاظ على مصالحهم غير المشروعة.
فمن خلال نظرة سريعة إلى الجرائم المقرفة التي يرتكبها الصهاينة الغاصبين في فلسطين بدعم ومباركة من الإدارة الأميركية، أو من خلال دراسة سلوك وتعامل المحتلين في كل من العراق وافغانستان، يتبين عمق النوايا الخبيثة لدى اولئك الذين قد ملأوا العالم بمزاعمهم الزائفة المرائية والمنافقة حول حقوق الإنسان ودعم الديمقراطية والحرية. اذ يرتكبون أبشع اشكال الإرهاب تحت شعار مكافحة الارهاب. ويفرضون بالتالي على الشعوب الخضوع لدكتاتوريتهم ونهبهم .
إن أمريكا تعتبر نفسها – وبشكل صريح – محقة في الاعتداء على الدول والشعوب. وإن الدولة الصهيونية تهدد الشخصيات الفلسطينية بالاغتيال وذلك بشكل صارخ وصريح. وإن الصهاينة في فلسطين يسفكون دماء الناس شيوخاً وشباباً ونساءً ورجالاً وأطفالاً، ويدمرون البيوت. وهكذا نلاحظ إن أمريكا وبريطانيا في العراق تهاجمان المواطنين العزّل المشاركين في المظاهرات وتنتهكان حرمة منازل الناس وأعراضهم. ويتوعد هؤلاء العالم الاسلامي ويهددونه بتأجيج نيران جديدة فيه، ولـمّا تخمدْ لهب النيران التي اندلعت من قبلُ بأيديهم.
ان هذه التصرفات الهائجة الشريرة، هي نتيجة لحالة الارتباك والذعر، قبل أن تكون ناتجة عن القوة والثقة في النفس.
إنهم يشعرون بوجود الصحوة الاسلامية، ويشعرون بالخطر من انتشار فكرة "الاسلام السياسي" وسيادة الاسلام.
و ترتعد فرائصهم عندما يفكرون بيوم تنهض فيه الامة الإسلامية موحدة مليئة بالأمل. فإن الامة الاسلامية بما تملكه من ثروات طبيعية، وتراث حضاري تاريخي عظيم، ورقعة جغرافية مترامية الأطراف، وكمّ بشري هائل، لن تسمح في ذلك اليوم المنشود، لقوى الهيمنة التي طفقت تمتص دم الأمة وتنتهك حرمتها وكرامتها طوال مائتي عام، أن تستمر في هذا الطغيان والعدوان.
إن النخب السياسية والفكرية في عالمنا الاسلامي تتحمل اليوم مسؤولية جسيمة.
على المفكرين المسلمين أن ينقلوا رسالة الإسلام التحررية، إلى مسامع وقلوب مواطنيهم، وأن يبينوا للشعوب المسلمة هويتها الإسلامية بوجه صحيح. وأن يشرحوا للشباب التعاليم الإسلامية الواضحة في ما يخص مواضيع مثل: حقوق الانسان، والحرية والديمقراطية، وحقوق المرأة، ومكافحة الفساد، وازالة التمييز، ومكافحة الفقر والتخلف العلمي. وأن يكشفوا للجميع واقع التضليل الإعلامي الغربي فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ومواجهة اسلحة الدمار الشامل.
إن العالم الغربي هو الذي يجب تعريضه اليوم للتحدي في هذه المواضيع من الناحيتين النظرية والعملية. وهو الذي يجب عليه أن يجيب على تساؤلات الرأي العالم العالمي. على العالم الغربي أن يتحمل مسؤولية الإجابة عن سر مجزرة الأطفال الصغار في فلسطين، وحول حقوق المرأة وصون كرامتها، وحول حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحول حق الشعوب في الاستفادة من ثرواتها، بل وحتى حول حرية المواطن في العالم الغربي نفسه. أ لا يشكل حظر الحجاب في بعض الدول الأوروبية دليلاً على عدم صحة مزاعم الإيمان بالحرية هناك؟
إن رجال السياسة والحكومة في الدول الإسلامية ايضاً يتحملون مسؤوليات تاريخية جسيمة. وأهم هذه المسؤوليات تتمثل في اعتمادهم على شعوبهم ورفضهم طلبات القوى الاستكبارية التي تنطوي على فرض الإرادة والتي لا تجد لها نهاية. عليهم أن لا ينسوا الهوية العظيمة المقتدرة التي تملكها الامة الاسلامية والتي بامكانها أن تحل عُقَد الكثير من المشاكل.
إن اتخاذ القرارات فيما يتعلق بقضايا العالم الإسلامي يجب أن يكون على أساس مصالح الأمة الاسلامية والحفاظ على اقتدار الأمة.
إن انسحاب المحتلين من العراق وإٍرساء أسس السيادة الوطنية في هذا البلد، وخروج القوات العسكرية الاجنبية من افغانستان والتأكيد على سلامية هذا البلد واستقلاله، ودعم الشعب الفلسطيني المظلوم وأولئك المناهضين للغاصبين دفاعاً عن النفس والمال والكرامة والاستقلال، وتقويتهم مادياً ومعنوياً، ونشر الشعائر الدينية والايمان الديني في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وتحقيق المزيد من التقارب بين الدول الإسلامية يوماً بعد يوم وحل الخلافات القائمة فيما بينها، وتفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي ومواصلة الجهود من اجل نيلها حق النقض في مجلس الأمن الدولي... كل ذلك يدخل في نطاق مصالح الأمة الاسلامية، فلا بد من إدراج كل ذلك ضمن السياسات المتـّبعة والجهود المبذولة من قبل جميع الحكومات في الدول الاسلامية.
كما انه لابد للشعوب والنخب أن تطالب حكوماتها بذلك.
إن إيران التي تتأهب هذه الايام – حكومة وشعباً – للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لقيام النظام الجمهوري الاسلامي، قد اكتسبت تجارب قيمة في هذا المسار المشرّف. فقدمت للجميع نموذجاً ساميا ً يجدر الاقتداء به. 
لقد تابعنا أهدافنا الكبيرة وتقدمنا باتجاهها بخطوات حثيثة مطمئنة. فقد أخذنا العلم والتقنية ممزوجتين بالقيم المعنوية، وأخذنا الاستقلال والحرية مصحوبتين بالالتزام بالحدود والقيود الدينية، وأخذنا الديموقراطية منبثقة عن التعاليم القرآنية.
إن بلادنا قد تلقت خلال هذه الفترة أكبر قدر من التهديد والعناد والتعامل الخبيث من الاستكبار. كما أن شعبنا قد اكتسب خلال هذه الفترة أكبر قدر من الإيمان والصمود والفخر والاعتزاز.
إننا قد جربنا عملياً الحكمة القرآنية التي تقول: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) والتي تقول: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ، وتقول أيضاً: (وإن الله على نصرهم لقدير).
إننا نستشرف أفق المستقبل مشرقا امام شعبنا والعالم الاسلامي مستمرين بعزيمة راسخة في الدرب الذي رسمه الإمام الخميني العظيم واثقين من تحقق الوعد الالهي وثوقاً يتزايد يوماً بعد يوم.
والعاقبة للمتقين.
والسلام على عباد الله الصالحين
 السيد علي الخامنئي 
6/ 12/ 1424هـ

 

رمز الخبر 55892

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha